اللغة هي حاجة بيولوجية

يتكلم الإنسان دون حساب عدد الكلمات التي نطقها كل يوم. فزعم الكثير أن المرأة أكثر كلاما من الرجل حتى يظهر في المثل الجاوي “إذا تكلم الرجل كلاما واحدا فتتكلم المرأة ثلاثة كلمٍ أو أكثر”. فالكلام عند الإنسان لاينظر إلى كبر السن أو صغره. فالصغير يستطيع أن يتكلم ولو بكلمة أو كلمتين إما أن يكون كلامه صحيحا كاملا أو متقطعا ناقصا. وأما الكبير ولاسيما الذي عنده المعلومات الكثيرة فيتكلم أكثر من الكبير. إذن كل الناس يتكلمون مادموا غير بُكْمٍ وسلماء أعضاء النطق. وإذا وُجد واحد لايتكلم البتة فربما لديه معيقات خاصة تعيقه من الكلام، وهذا من باب استثنائي لأن الكلام حاجة لايمكن تركها في البيئة الاجتماعية.
الكلام ظاهرة لغوية تتكون من الأصوات والكلمات والجمل والفقرات وغيرها. فتخرج هذه الأصوات أو الكلمات أو الجمل بشكل عفوي تدفعها الحاجة البيولوجية. فاللغة هنا عبارة عن الأكل والشرب والنوم يعملها الإنسان ويحتاج إليها لحماية جسمه من الضعف والمرض وعدم التوازن الجسدي. ومن لايتكلم بسبب عدم الصاحب الذي يستطيع أن يصاحبه في يوم وليلة وهو مصاب بالتوتر والقلق. ويشعر بأنه فريد وحيد في حياته بسبب عدم الصديق الذي يصاحبه في الأنس. مع أن ما في ذهنه رصيد الكلام يستعد للانفجار. ولذلك قد نجد شخصا يتكلم بنفسه أو يتغنى بنفسه بلاشعور وكأن الكلام أو الغناء يخرجان من لسانه أوتوماتيكيا.
وإذا كانت اللغة حاجة من حاجات بيولوجية فهي مطلوبة عند الناس كما يكون الرز لسكان إندونسيا مطلوبا في كل مكان. فالحاجة لايمكن تلبيتها إلا بعد أن يرى الإنسان الأحداث العملية مثل شعور الجوع والعطش. فهذه الأحداث تكون مثيرة لتليبة الحاجة فالأنشطة التي تتحرك لتلبية الحاجات تسمى مستجيبة لأنها تستجيب المثيرةَ التي سبقتها. فلا يمكن الإنسان أن يأكل قبل أن يشعر بالجوع ولايشرب قبل أن يشعر بالعطش. وهنا أن الجوع أو العطش هو حدث عملي مثير للإنسان أن يتحرك ويعمل لإزالة عطشه وجوعه وأما نشاط الأكل فهو مستجيب لذلك المثير. ويتضح أن الأكل هو حاجة بيولوجية يثيرها الجوع وكذلك الشراب فهو حاجة يثيرها العطش.
وإذا قسنا نشاط الأكل بالنشاط اللغوي فاستنتجنا أن اللغة هي حاجة بيولوجية تثيرها الأحداث العملية. فالإنسان سيتكلم إذا أثارته المثيرات التي تدفعه إلى الكلام. وإذا لايوجد المثير فلن يتكلم الإنسان أبدا. ومن المثيرات التي تمكن دفع الإنسان إلى الكلام شعور داخلية مثل الغضب والفرح واليأس والبغض وغيرها أو ظروف ملحة للمتكلم كسقوطه في النهر أو وقوعه في الحادثة أو رؤيته السرقة وهكذا. وهذه الشعور وتلك الظروف تكون مثيرة يستجيبها كلام الإنسان. وإذا سقط الإنسان في النهر وهو لايستطيع السباحة فهو سيتكلم صائحا مستغيثا إلى من رآه لكي ينقذه من الغرق.
وفي تعليم اللغة خاصة اللغة العربية للناطقين بغيرها لابد أن يستخدم طريقة أو وسيلة تعليمية تثير دوافع الطلاب وميولهم ليتكلموا ثم إذا كثرت المثيرات كثرت الاستجابة وإذا كثرت الاستجابة الكلامية معناه أن الطلاب قد تكلموا كثيرا وإذا تكلموا كثيرا وهم يتعودون على ممارسة الكلام وفي الأخير ستترسخ في ذهنهم الأنماط اللغوية التي سيخرجها متى شاؤوا ومتى أرادو. والله أعلم

POST A COMMENT.