اللغة العربية في قلوب الشعب المادوري

2بقلم: عبد الواحد الؤلئي

من المعلوم أن اللغة العربية أكثر اللغات السامية من حيث المتحدثون، و وهي من أكثر اللغات انتشاراً في العالم، و من إحدى لغات العالم الرسمية كما قرر ذلك الأمم المتحدة، يتحدث بها أكثر من 422 مليون نسمة، وينتشر متحدثوها في المنطقة المعروفة باسم الوطن العربي، بالإضافة إلى العديد من المناطق الأخرى المجاورة كالأحواز وتركيا ومالي والسنغال وإرتيريا. واللغة العربية ذات أهمية قصوى لدى الأمة الإسلامية، فهي لغة القرآن، ولا يتم بعض أركان الصلاة في الإسلام إلا بإتقان بعض كلماتها.


أخذت اللغة العربية مكانة عظيمة في قلوب المسلمين لأنها ليست منحصرة على لغة تخاطب واتصال فحسب وإنما تعدّى إلى لغة دين وعقيدة. فهي عندهم ليست كسائر اللغات رغم أنها – فيما لا يشك فيه – تتوظف وظيفة غيرها من اللغات تعبر المشاعر المراد ايصالها إلى الغير. اللغة العربية ربطت فهمها مع فهم تعاليم الإسلام وتشريعاته المنقولة من مصادرها الأصيلة الكتاب والسنة. كما أن اللغة العربية تزرع حبها في قلوب الأمة الإسلامية من أن تكون لغة أهل الأرض والدنيا إلى كونها لغة أهل السماء والجنة كما وردت في الحديث الشريف أحبوا العربية من ثلاث لأني عربي والقرآن عربي وكلام أهل الجنة في الجنة عربي.
نعم، كانت اللغة العربية تسحر قلوب المسلمين بمزاياها وخصائصها التي لا تكون لغيرها، وهذا مما وقع للشعب المادوري. كانوا يتعاملون مع اللغة العربية ليس كتعاملهم مع غيرها. فالمعلمون المادوريون الشيوخ في جزيرة مادورا قديماً عندما يكتبون الكلمات العربية في السبورة بالطبشورة حاولوا بأن لا تسقظ مكسرات الطبشورة على الأرض خشية من أن يمرّ عليها المارّين حتى لا تنتهك حرمة اللغة العربية.
وكذلك عندما وجد المادوريون الأوراق المكتوبة بالعربية متبعثرة ومتناثرة على الأرض أخذوها ورفعوها ثم وضعوها في مكان عال. وهذه المعاملة لا تكون في الكتابات غير العربية رغم أن المكتوب واحد. وهذا ليس من العجيب لأن المادوريين يرون: أن كل ما يتصل بالشريف شريف. والله سبحانه وتعالى قد اختار اللغة العربية لغة القرآن الشريف كما قال جل شأنه ” إنا أنزلناه قرآنا عربيا “. و إذا تجرأ أحد على إهمال حرمة كتابات عربية – في اعتقادهم – أنه يأتي بالشر وكذلك العكس. يعني إذا كان هو مهتم بحرمة كتابات عربية فإن هذا الاهتمام يأتي بالخير والبركة.
ذات يوم حكى لي شيخي المادوري أن رجلا مرّ بكتابة عليها اسم الجلالة الله ملقاة في الأرض فأخذها وطيبها بالطيب ثم وضعها في مكان مرتفع حتى لا يمر عليها أحد. لما توفي الرجل رآه صاحبه في المنام أنه في منزلة عالية كريمة عظيمة. فقال له صاحبه: كيف وصلت إلى هذه المنزلة؟ فحدث الرجل ما وقع بينه وبين كتابة اسم الجلالة وقال هذا هو السبب.
واللغة العربية في نظرهم هي لغة الإسلام وهذا يدفعهم إلى اعتقاد أنه إذا أجاد أحد اللغة العربية فمعناه أن إسلامه كامل وله من الشعب المادوري ما لا يكون لغيره من احترام. فلا عجب إذاً إذا تسابق أبناء المادورين على إيجاد اللغة العربية كتابة ومحادثة لتعلقهم مع دينهم القوي وميولهم الإيمانية الراسخة.
وهذه الظاهرة نوع من أنواع اتجاهات المؤمن غير العرب نحو اللغة العربية التي لا يدفع إلى مثل هذه المشاعر و المواقف إلا التدين القوي الناشئ من التعاليم الإسلامية السمحاء. وهذه الظاهرة قد لا تكون في المجتمع العربي لأنهم يعاملون اللغة العربية كالأمر العادي.

Comments are closed.